الجصاص

300

الفصول في الأصول

اليسير : أنهم شذوذ ، لا يلتفت إليهم ، وإنما فائدة قوله صلى الله عليه وسلم ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) أن الحق لا يخرج عنهم ، وأنه سائغ لكل واحد استعمال الرأي في اتباع أحدهم ، على حسب ما يقوده إليه الدليل ، وأنه غير جائز له الخروج عن أقاويلهم جميعا . وأيضا : فإن قوله : ( فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد ) ينفي جواز اتباع الواحد وترك الجماعة ، فوجب : أن يكون قوله ( بأيهم اقتديتم اهتديتم ) محمولا على الحال التي لا يكون هناك جماعة يلزم اتباعها ، وفي الاختلاف الذي يسوغ لكل واحد القول فيه من جهة الرأي والاجتهاد ، ولولا أن ذلك كذلك ، لكن من اقتدى بواحد من الصحابة مصيبا باقتدائه في كل حال ، وقد علمنا أن الصحابة قد اختلفت في أمور ، تحزبوا فيها ، وتبرأ بعضهم من بعض ، وخرجوا إلى القتال وسفك الدماء ، ولم يسوغوا الخلاف فيه . فدل : على أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( بأيهم اقتديتم اهتديتم ) فيما اختلفوا فيه مما يسوغ فيه الاجتهاد ، فيجتهد الناظر في طلب الحق من أقاويلهم ، غير خارج عنها ، ولا مبتدع مقالة لم يقولوا بها . ونظير ما قدمنا من خلاف الواحد فيما لم يسوغ الجماعة خلافه عليها : فنحو مذهب ابن عباس ، كان في الصرف يجيز بيع الدرهم بالدرهمين ، ( 1 ) وأنكرت عليه الصحابة هذا القول ، فرجع عنه . وكقول ابن عباس في متعة النساء ، ( 2 ) وإنكار الصحابة ذلك عليه . وقد قال محمد بن الحسن : لو أن قاضيا ( قضى ) ( 3 ) بجواز بيع درهم بدرهمين ، أبطلت قضاءه ، ( 4 ) لأن جماعة الصحابة سوى ابن عباس : قد أجمعت على بطلانه . قال : وكذلك لو أن قاضيا جعل ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة ، أبطلت قضاءه ، ( 5 ) لأن الصحابة سوى بن مسعود ، قد أجمعت : على أن مولى العتاقة أولى من ذوي الأرحام ، وروى أيضا